التفتازاني

156

شرح المقاصد

صوت وحرف كما يرى في الآخرة بلا كم وكيف ، أو أنه سمع بصوت من جميع الجهات أو من جهة بلا اكتساب ) . هذا جواب آخر لأصحابنا تقريره ، أن المراد بالمذكور العربي المنزل المقروء المسموع المكتوب إلى آخر الخواص هو المعنى القديم ، إلا أنه وصف بما هو من صفات الأصوات والحروف الدالة عليه مجازا أو وصفا للمدلول بصفة الدال عليه « 1 » كما يقال : سمعت هذا المعنى من فلان وقرأته في بعض الكتب ، وكتبته بيدي . وهذا ما قال أصحابنا : إن القراءة حادثة أعني أصوات القارئ التي هي من اكتسابه يؤمر بها تارة إيجابا أو ندبا ومنهى عنها حينا ! وكذا الكتابة : أعني حركات الكاتب ، والأحرف المرسومة ، وأما المقروء بالقراءة المكتوب في المصاحف ، المحفوظ في الصدور ، المسموع بالآذان فقديم ، ليس حالا في لسان ولا قلب ولا مصحف ، لأن المراد به المعلوم بالقراءة المفهوم من الخطوط ومن الأصوات المسموعة ، وكذا المنزل . إذ معنى الإنزال أن جبريل عليه الصلاة والسلام أدرك كلام اللّه تعالى وهو في « 2 » مقامه ثم نزل إلى الأرض وأفهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم ما فهمه عند سدرة المنتهى من غير نقل لذات الكلام . فإن قيل : إذا أريد بكلام اللّه تعالى المنتظم من الحروف المسموعة من غير اعتبار تعين المحل ، فكل أحد منا يسمع كلام اللّه تعالى ، وكذا إذا أريد به المعنى الأزلي ، وأريد بسماعه فهمه من الأصوات المسموعة ! فما وجه اختصاص موسى عليه الصلاة والسلام بأنه كليم اللّه تعالى . فإن قلنا فيه أوجه : أحدهما وهو اختيار الإمام حجة الإسلام رحمه اللّه ، أنه سمع كلامه الأزلي بلا صوت ولا حرف ، كما ترى ذاته في الآخرة بلا كم ، ولا كيف ، وهذا على مذهب من يجوز تعلق الرؤية والسماع بكل موجود حتى الذات والصفات ، لكن سماع غير الصوت والحرف لا يكون إلا بطريق خرق العادة . وثانيها : أنه سمعه بصوت من جميع الجهات على خلاف ما هو العادة .

--> ( 1 ) في ( أ ) بزيادة لفظ ( عليه ) . ( 2 ) في ( ب ) من بدلا من ( في ) .